ابن أبي أصيبعة

536

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

في صناعة الطب متميزا في الأدب وله شعر جيد وكان تلميذ المصدوم وخدم بالطب المستنصر وتوفي في دولته في مراكش أبو جعفر بن الغزال مولده بقنجيرة من أعمال المرية وأتى إلى الحفيد أبي بكر بن زهر ولازمه حق الملازمة وقرأ عليه صناعة الطب وعلى غيره حتى اتقن الصناعة وخدم المنصور بالطب وكان خبيرا بتركيب الأدوية ومعرفة مفرداتها وكان المنصور يعتمد عليه في الأدوية المركبة والمعاجين ويتناولها منه وكان المنصور قد أبطل الخمر وشدد بأن لا يأتي بشيء منه إلى الحضرة أو يكون عند أحد فلما كان بعد ذلك بمدة قال المنصور لأبي جعفر بن الغزال أريد أن تجمع حوائج الترياق الكبير وتركبه فامتثل أمره وجمع حوائجه وأعوزه الخمر الذي يعجن به أدوية الترياق وأنهى ذلك إلى المنصور فقال له تطلبه من كل ناحية وانظر لعل يكون عند أحد منه ولو شيء يسير لنكمل الترياق فتطلبه أبو جعفر من كل أحد ولم يجد شيئا منه فقال المنصور والله ما كان قصدي بتركيب الترياق في هذا الوقت إلا لاعتبر هل بقي من الخمر شيء عند أحد أم لا وتوفي أبو جعفر بن الغزال في أيام الناصر أبو بكر بن القاضي أبي الحسن الزهري هو أبو بكر بن الفقيه القاضي أبي الحسن الزهري القرشي قاضي أشبيلية مولده ومنشؤه بأشبيلية وكان جوادا كريما حسن الخلق شريف النفس قد اشتغل بالأدب وتميز في العلم وكان أحد الفضلاء في صناعة الطب والمتعينين في أعمالها وخدم بالطب للسيد أبي علي بن عبد المؤمن صاحب أشبيلية وكان يطبب الناس من دون أجرة ويكتب النسخ لهم وكان في مبدأ أمره محبا للشطرنج كثير اللعب به وجاد لعبه في الشطرنج جدا حتى صار يوصف به وحدثني القاضي أبو مروان الباجي قال سألت القاضي أبا بكر بن أبي الحسن الزهري عن سبب تعلمه صناعة الطب فقال لي إنني كنت كثير اللعب بالشطرنج ولم يكد يوجد من يلعب مثلي به في أشبيلية إلا القليل فكانوا يقولون أبو بكر الزهري الشطرنجي فكان إذا بلغني ذلك أغتاظ منه ويصعب علي فقلت في نفسي لا بد أن اشتغل عن هذا بشيء غيره من العلم لا نعت به ويزول عني وصف الشطرنج وعلمت أن الفقه وسائر الأدب ولو اشتغلت به عمري كله لم يخصني منه وصف أنعت به فعدلت إلى أبي مروان عبد الملك بن زهر واشتغلت عليه بصناعة الطب وكنت أجلس عنده وأكتب لمن جاء مستوصفا من المرضى الرقاع واشتهرت بعد ذلك بالطب وزال عني ما كنت أكره الوصف به وعاش أبو بكر بن أبي الحسن الزهري خمسا وثمانين سنة وتوفي في دولة المستنصر ودفن بأشبيلية